النظام المصري : زعامة مغلولة اليدين
ثريا عاصي
منذ اتفاقيات كمب ديفيد ، والنظام المصري يجهد لاستعادة الزعامة العربية التي حققتها مصر في عهد عبد الناصر ولم تكن إعادة مصر إلى الصف العربي بعد اغتيال السادات كافية لتحقيق هذه الغاية، فقد أنيط بالنظام المصري دور مختلف عما عرفت به مصر في المراحل السابقة لتفردها وإبرامها معاهدات أخرجتها من إطار مسؤولياتها القومية ليوكل إليها الغرب مهمات في خدمة الأهداف والمصالح الأميركية في المنطقة وركيزتها الأساسية المتمثلة بمشروع هيمنة إسرائيل.
تسنى للنظام المصري أحيانا أن يكون محورا أساسيا في المعادلة خصوصا بعد انطلاق ما سمي بعملية السلام، لكن التصلب الإسرائيلي حجب عنه صدارة المشهد العربي، بسبب عدوانه المتكررعلى العرب، سواء في لبنان أو فلسطين، حيث لم يكتف النظام المصري بالوقوف على الحياد ، بل كثيرا ما كان ينحاز إلى جانب المعتدي استجابة للرغبة الأميركية .
ومع تفاقم الأوضاع في المنطقة ، وظهور قوى المقاومة ، ازداد موقع النظام المصري حرجا وتضاعفت مهماته لتطويع المنطقة وتطويق القوى الممانعة .
سعى النظام المصري للامساك بالقرار الفلسطيني، منحازا لفريق دون آخر ليقينه أن حركة حماس لا تجرؤ على معاداته نظرا لحاجاتها إلى العمق الجغرافي عبر معبر رفح وعليه، وتحقيقا للأهداف الأميركية والإسرائيلية، تولى النظام المصري أمر المصالحة الفلسطينية باعتباره ولي الأمر. لكن مساعيه لم تفض إلى نتيجة، فالموقف المسبق من حركة حماس، باعتبارها حركة متطرفة، ان لم نقل إرهابية بالتعريف الأميركي والإسرائيلي، حفزه على المساعدة في حصار غزة بحجة الخوف من اتهام مصر بالسماح للمقاومة بإدخال السلاح، وهو ما يتعارض مع ما أقرته اللجنة الرباعية عقب الحرب العدوانية على غزة، وارتكاب إسرائيل أفظع المجازر بحق الفلسطينيين ، ولم يعدّل النظام المصري من مواقفه، بل مضى في الضغط على حركة حماس بإقامة الجدار الفولاذي على الحدود مع غزة.
لم يتوقف النظام المصري عن التناغم مع الإسرائيلي في موضوع حزب الله، متهما إياه بالإرهاب عبر محاكمة ما سماه خلية حزب الله لإدانة من كانوا بصدد العمل لمساعدة المحاصرين في غزة... فماذا تبقى من عروبة النظام المصري؟
ولما كان الموقف الإيراني محرجا لجزء من العرب فان المواقف التركية لقيت تجاوبا عربياً ملحوظا وغدا الطيب أردوغان البطل المنقذ بالنسبة للكثيرين. وهو ما أغضب قادة مصر الذين خافوا أن تنتزع منهم الوكالة عن العرب في المحافل الدولية وأمام الراعي الأميركي. وليس خافيا على أحد أن النظام المصري كان أكثر الأنظمة العربية عداء للنظام الايراني. وعقب القرصنة الاسرائيلية على أسطول الحرية وازدياد التأييد لأردوغان ومواقفه ضد اسرائيل انبرى بعض المصريين لملاقاة الولايات المتحدة في مساعيها لاخراج اسرائيل من عبء ورطتها، ففتح معبر رفح ، وفي الوقت ذاته، استقبل نتنياهو في شرم الشيخ في أوج خلافه مع تركيا. وكأن مصر شريكة لاسرائيل في حصار غزة. لكن المسؤولين المصريين كانوا يحاولون قطع الطريق على تركيا خوفا من تزعمها الشارع العربي، خصوصا حين أوكلت اليها حركة حماس أمر المصالحة مع سلطة محمود عباس . وتماديا في التجاوب مع أميركا واسرائيل ، نابت مصر عن العدو الصهيوني في معالجة مسألة المساعدات الى غزة . وتحت ذريعة عدم اقدام اسرائيل على المزيد من العنف ضد سفن المساعدات لغزة ، قبل النظام المصري استقبال السفينة الليبية في ميناء العريش . الهدف هو مساعدة اسرائيل على تجنب المزيد من الاحراج اذا ما تعاملت مع السفينة الليبية بالعنف ، في الوقت الذي اطمأنت فيه الى تراجع ايران عن ارسال سفن المساعدات لأن مصر نفسها لن تسمح لتلك السفن بالدخول الى العريش .
وبينما رفضت اسرائيل قرار لجنة حقوق الانسان بتشكيل لجنة تحقيق حيادية حول مجزرة أسطول الحرية وفق قرار مجلس الأمن ، بادر وزير الخارجية المصرية لاصدار بيان مشبوه بشأن الأوضاع في لبنان دون أن يعرج على رفض اسرائيل القرار المذكور ولو بكلمة.
البيان المصري صدر عشية تحرك عربي باتجاه لبنان يبدأ بقمة مبارك والملك عبدالله وبدا البيان بمثابة رسالة الى الملك عبد الله ، وإلى الرئيس السوري وأمير قطر . ربما لخوف مصري من تعزيز العلاقات السورية السعودية ، ومن تأكيد دور قطر ، لمعرفة القاهرة المسبقة بأن ذلك قد يؤدي الى دعم سوريا وحلفائها في لبنان . خصوصا اذا تمكن هذا الحراك العربي من لجم التوتر على الساحة اللبنانية . ما سيضعف حلفاء مصر اللبنانيين ، أولئك الذين تستقبلهم لتدعيم مواقفهم ضد سوريا وحزب الله .
الغريب أن يظهر أبو الغيط غيرته على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في الوقت الذي يستقبل فيه قاتل رئيس حكومة لبنانية . ويتغاضى عن تجاهل اسرائيل للكثير من قرارات الشرعية الدولية وارتكابها جرائم ضد الانسانية . لكن الهدف هو ابقاء الوضع اللبناني على ما هو عليه ، لاشغال حزب الله بالأمور الداخلية ما يحقق لإسرائيل ما عجزت عن تحقيقه بالحرب التي شارك فيها الكثيرون من العرب وفي هذه الحالة يراهن النظام المصري على تعظيم دوره متى فشل العرب وغرق لبنان مجددا في فتن داخلية.
التعليقات على المقال